Print this page
الجمعة, 08 نيسان/أبريل 2016 06:06

الملك سلمان في القاهرة: المصالح تتقدم على الخلافات

Written by 
Rate this item
(0 votes)

بدت زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز لمصر استثنائية، ليس في كونها الأولى منذ توليه عرش المملكة خلفاً لأخيه الملك عبد الله فحسب، وانما في الرهان المشترك الذي أبداه الطرفان السعودي والمصري تجاه امكانية التوصل الى تفاهمات مشتركة، حول الملفات الاقليمية، بعدما طفت الخلافات المستترة، لا سيما في ما يتعلق بالملف السوري، على سطح العلاقات الثنائية طوال العام الفائت.

ومن الواضح ان الجانبين المصري والسعودي يراهنان على الزيارة الملكية لتسوية الخلافات، أو على الأقل تدوير زواياها، في ظل حاجة كل منهما الى الآخر.
ولا شك في ان الجانب السعودي ما زال ينظر الى مصر باعتبارها الظهير الاستراتيجي الوحيد القادر على دعمه، ولو جزئياً في الكثير من الملفات الاقليمية المشتعلة، ولا سيما في ما يتعلق بالصراع ضد ايران، وحشد التأييد لخطوات سياسية تصب في هذا الصراع، ولذلك فإن كثيرين في مصر وخارجها قد نظروا الى القرار المصري بوقف بث قناة «المنار» عبر قمر الـ «نايل سات» عشية الزيارة الملكية، على انه رسالة واضحة للملك الضيف، خصوصاً بعد استجابة القاهرة للضغوط السعودية بشأن تصنيف «حزب الله» منظمة «ارهابية» في البيان الأخير للجامعة العربية.
وعلى المقلب الآخر، لا شك في ان مصر ما زالت في حاجة الى الدعم السعودي لاقتصادها الذي يعاني من ازمة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة، كانت نتيجتها تقلص احتياطي العملات الصعبة الى مستويات خطيرة، وهو ما دفع المملكة النفطية الى توجيه رسالة واضحة في هذا السياق، عبر الحديث عن ضخ اربعة مليارات اضافية في السوق المصرية، الى جانب التعهد بتزويد «الحليف» المصري بمشتقات نفطية تصل قيمتها الى نحو عشرين مليار دولار للسنوات الخمس المقبلة على الاقل.
ويبدو ان التطورات الاقليمية الأخيرة قد اسهمت بدورها في القرار السعودي - المصري بتدوير زوايا الخلافات. وعلاوة على الحرص الذي ابدته الرياض، منذ ايام الملك عبد الله، بحماية الدولة المصرية، المهددة امنياً واقتصادياً في الداخل والخارج، وبالتالي منع سقوطها، لاعتبارات استراتيجية، فإن سلوك الأزمة اليمنية طريق التفاوض من جهة، واحتكار الاميركيين والروس لعملية ضبط الايقاع الميداني والسياسي في سوريا، على حساب القوى الاقليمية الاخرى، واولها السعودية، قد جعلا ممكناً التركيز على عوامل التقريب على خط القاهرة ـ الرياض، وبالتالي القفز فوق الخلافات التي طفت على سطح العلاقات الثنائية منذ رحيل الملك عبد الله.
ولكن الجانب المصري بات يدرك جيداً ان السعوديين تخطوا مرحلة الدعم من دون مقابل ملموس، ولذلك فإن ثمة مؤشرات واضحة على ان هناك تنازلات سيقدّمها كل من السيسي وسلمان للآخر، وقد يكون ابرزها تكريس التفاهمات حول سوريا واليمن، وايجاد مخرج مرض للمطلب السعودي بشأن تطبيع العلاقات المصرية - القطرية - التركية، الى جانب القضايا ذات البعد الثنائي.
ويبدو واضحاً ان الاجواء الاحتفالية التي رافقت وصول الملك السعودي الى القاهرة، تعكس رغبة الطرفين في ترتيب ملفاتهما الثنائية والاقليمية.
لكن المهم بالنسبة الى الجانب المصري ان الزيارة الملكية تأتي لتؤكد الدعم السعودي لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وللعلاقات بين البلدين في مختلف المجالات بدءا من الجانب العسكري وحتى الاقتصاد.
وهذه أول زيارة رسمية يقوم بها الملك سلمان للقاهرة منذ توليه الحكم خلفا لأخيه الملك عبد الله في يناير كانون الثاني 2015، ولكنه قام بزيارة وجيزة لمنتجع شرم الشيخ المصري في آذار من العام الماضي للمشاركة في القمة العربية، وكان ملفتاً حينها مغادرته للاراضي المصرية فور انتهاء كلمته امام القادة العرب، في رسالة سياسية اتخذت تفسيرات عدّة، في ظل ما أشيع عن تراجع ملحوظ في الدعم السعودي لمصر مقارنة بما كانت عليه الحال في عهد الملك عبد الله.
ومن المؤكد ان ما كتبه الملك سلمان عبر حسابه على موقع «تويتر» لدى وصوله الى القاهرة قد اثلج صدر الرئيس المصري، وهي تغريدة جاء فيها: «لمصر في نفسي مكانة خاصة، ونحن في المملكة نعتز بها وبعلاقتنا الاستراتيجية المهمة للعالمين العربي والإسلامي. حفظ الله مصر وحفظ شعبها».
وكان السيسي استبق الزيارة بتغريدة ترحيبية جاء فيها «أرحب بأخي جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين على أرض وطنه الثاني مصر».
وصباحاً، استبق الديوان الملكي السعودي اقلاع طائرة سلمان، بإصدار بيان جاء فيه ان الزيارة الملكية تأتي «انطلاقا من الروابط الأخوية المتينة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية»، والاشارة الى ان الجانبين سيبحثان «سبل تعزيز تلك العلاقات في المجالات كافة وبحث القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك».
وأذاع التلفزيون المصري الرسمي لقطات حية لوصول طائرة الملك سلمان والوفد المرافق له لمطار القاهرة الدولي، وكان في استقبالهم السيسي وعدد من كبار المسؤولين المصريين. وذكر التلفزيون المصري أن الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي وصل إلى القاهرة قبل قليل من وصول الملك سلمان.
تعامل الاعلام المصري مع الزيارة الخارجية النادرة للملك السعودي على انها تأتي بمثابة رد على تعليقات في وسائل الإعلام في البلدين عن خلافات بينهما، وانها رسالة واضحة مفادها ان الرياض ما زالت تدعم السيسي.
وتشارك مصر في تحالف عسكري عربي تقوده السعودية في اليمن لقتال الحوثيين الشيعة، لكنها تمتنع عن إرسال قوات برية. وقال دبلوماسيون غربيون في القاهرة والخليج إن ذلك أدى إلى توتر العلاقات بعض الشيء لكن الرياض قبلت في نهاية الأمر أسباب مصر وتأكيداتها العلنية بأنها ستدافع عن السعودية في مواجهة أي تهديد خارجي.
وفي هذا الإطار، كان ملفتاً يوم امس صدور موقف رسمي من الحكومة المصرية بشأن تقارير تشير إلى ضبط شحنات أسلحة إيرانية أثناء تهريبها إلى اليمن على مدى الأسابيع الماضية، وذلك في محاولة فيما يبدو لإبداء الدعم للسعودية في صراعها على النفوذ مع إيران.
ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية عن أحمد أبو زيد المتحدث باسم وزارة الخارجية قوله إن الأمر «يثير علامات استفهام حول التناقض بين المواقف الرسمية الإيرانية وممارساتها الفعلية التي لا تسهم في تعزيز الاستقرار في المنطقة بل تعكس استمرار سياسة التدخل غير البناء في الشأن العربي».
وفي موازاة ذلك، فإن التباينات بين القاهرة والرياض طفت سريعاً على سطح التصريحات الديبلوماسية، حين ابدى الجانب المصري تحفظاً ضمنياً على سياسات السعودية بشأن الصراع السوري، من خلال موقفه «المبدئي» بشأن ضرورة حماية الدولة السورية ومنع انهيار مؤسساتها، قبل ان يصبح الخلاف اكثر وضوحاً، حين ابدى وزير الخارجية المصري سامح شكري معارضة واضحة لأي تدخل عسكري في سوريا، تزامناً مع الحديث السعودي عن تشكيل «تحالف اسلامي» او «تحالف عربي» لهذا الغرض.
وفي العموم، يبدو ان المصالح المشتركة بين السعودية ومصر ستدفع باتجاه التوصل الى تفاهمات معينة ازاء الاوضاع الاقليمية.
وانطلاقاً من ذلك، ابدت مصر حفاوة بالغة بزيارة الملك السعودي. ومنذ أيام، بدأ التلفزيون الرسمي يبث تقارير عن متانة العلاقات بين البلدين وأهمية الزيارة التي وصفت بالتاريخية. ويوم امس، بث التلفزيون لقطات أرشيفية وأفلاما وثائقية عن زيارات سابقة قام بها ملوك السعودية لمصر في فترات مختلفة.
وبث أيضا لقطات حية لمسيرة الموكب الذي أقل سلمان والسيسي الى قصر الاتحادية الرئاسي، حيث أقيمت مراسم الاستقبال الرسمي، وأطلقت المدفعية 21 طلقة ترحيبا بالملك الضيف، فيما زينت الاعلام المصرية والسعودية شوارع القاهرة.
وقالت رئاسة الجمهورية في بيان إن الجانبين أكدا خلال جلسة محادثات جمعت الملك سلمان بالرئيس السيسي على «حرصهما على أن تُشكل هذه الزيارة نقلة نوعية في العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع بين البلدين الشقيقين وأن تدعم أواصر التعاون الثنائي في جميع المجالات».
وأضافت أن السيسي رحب بزيارة الملك سلمان وعبّر «عما تكنه مصر قيادة وشعبا من تقدير ومودة للعاهل السعودي وللمملكة العربية السعودية في ضوء المواقف المشرفة التي اتخذتها إزاء مصر وشعبها».
وذكر البيان أن السيسي أقام مأدبة غداء لملك السعودية والوفد المرافق له.
ومن المقرر أن يعقد سلمان والسيسي جلسة محادثات موسعة اليوم بحضور وفدي البلدين وتعقبها مراسم توقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين.
وقال السفير علاء يوسف المتحدث باسم الرئاسة في بيان آخر إنه إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك «ستستأثر موضوعات التعاون الاقتصادي بين البلدين بجانب كبير من المباحثات».
وكانت مصادر دبلوماسية قالت إن من المقرر أن يكشف المسؤولون خلال الزيارة عن استثمارات سعودية قيمتها أربعة مليارات دولار، فيما نقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين حكوميين مصريين ان زيارة الملك السعودي ستشهد توقيع اتفاقية لتمويل احتياجات مصر البترولية لمدة خمس سنوات بحوالي 20 مليار دولار، وبفائدة اثنين في المئة، الى جانب تقديم قرض لتنمية شبه جزيرة سيناء بقيمة 1.5 مليار دولار، فيما قالت مصادر اخرى في الرياض انه سيتم الإعلان عن اتفاقات للتعاون بشكل أوثق في عدد من المسائل من القوات المسلحة إلى الاقتصاد.
وتشمل زيارة الملك سلمان لقاءات مع عدد من كبار الشخصيات والمسؤولين المصريين، بالإضافة إلى لقاء أعضاء مجلس الأعمال المصري السعودي، فيما اشارت وسائل اعلام سعودية الى ان الملك السعودي سيؤدي اليوم صلاة الجمعة في الجامع الأزهر، وقد حرصت احدى تلك الوسائل الاعلامية على العزف على الوتر المذهبي حين عنونت ان الازهر «اثر شيعي تحوّل الى منارة للمذهب السني.. الملك يصلي فيه غداً» !

Read 2087 times
المحرر

Donec justo metus, congue a dignissim ut, faucibus in lorem. Ut sollicitudin felis quis erat sodales tempor. Vivamus mauris lorem, condimentum a cursus nec, pretium non mi. Vestibulum ullamcorper lacus id tellus.

Website: www.zootemplate.com

Latest from المحرر