والواقع ان غياب الزعيم الأرثوذكسي الأول في عكار الرئيس عصام فارس مع سقوط مدير أعماله سجيع عطية، في انتخابات بلدية رحبة واتحاد الجومة، وفوز تحالفات جديدة مدعومة من «الشيوعي» و«القومي» تكرست مع فوز رجل الأعمال فادي بربر، قد فتح شهية النواب السابقين لتجديد شبابهم السياسي، وتكريس زعامة مسيحية أرثوذكسية اعتبر النائب السابق كريم الراسي انه الأجدر بها مع غياب أي نشاط سياسي بارز للنائبين الحاليين نضال طعمة ورياض رحال.
وعلى هذا الأساس، انطلق السباق على انتخابات اتحاد بلديات الشفت لما له من رمزية في المنطقة التي تعد نموذجاً معبراً عن التلاوين السياسية والطائفية، وهو يضم حلبا مركز المحافظة ويعني الشريان الحيوي والثقل التجاري والخدماتي في عكار.
اهمية المعركة على اتحاد الشفت بالنسبة الى الطامحين السياسيين تكمن في رسمها خريطة الطريق الى المقعدين النيابيين الأرثوذكسيين بعد عام، وتبيانها الأحجام والتوازنات.
فسعى الراسي للفوز برئاسة الاتحاد وتحقيق انتصار سياسي معنوي من شأنه أن يؤمن جوا سياسيا مريحا للنائب سليمان فرنجية في عكار.
أما بالنسبة الى «التيار الوطني الحر» الذي خاض معركة تثبيت الأحجام وتعويض الخسارة المدوية التي مني بها الوزير السابق يعقوب الصراف في انتخابات البلدية التي خاضها بشكل علني في بلدة منيارة ضد الرئيس أنطون عبود، فسارع الى دعم عبود واعطائه صوت بلديتي الجديدة والزواريب من أصل خمس بلديات صوتت لعبود.
في حين اصطدم الراسي بتمسك حليفه رئيس بلدية الشيخ محمد طلال خوري بموقفه الرافض للتصويت لمرشحه عضو بلدية حلبا خلدون الحلبي فصوّت بورقة بيضاء كانت كفيلة بحسم النتيجة لمصلحة عبود كونه الأكبر سنا.
وهكذا انتقلت المعركة الى الصف الواحد وسرعان ما انفجرت في الشارع وتمثلت بالاعتداء بالضرب وتكسير سيارات فضلا عن إحتجاز رئيس بلدية الشيخ محمد لساعات في السراي الحكومي، وإستقالة أربع بلديات من الاتحاد لتستكمل لاحقا حرب بيانات وشكاوى بينه وبين الخوري.
يملك المراقبون ما يكفي من المعطيات للجزم أن الاصطفاف الذي حصل فوق الطاولة وتحتها لم يكن بريئا أو محض بلدي وأن نوعية الأسلحة التي استخدمت تتجاوز سقف محاولة السيطرة على اتحاد الى محاولة الاقتراب من مشروع سياسي بحال تم فتح قصور الرئاسة وهو ما جاهر به الراسي مرارا في مجالسه، ولأن التحدي كان بهذا الحجم العابر لحدود الشفت يتباهى العونيون بالانتصار الذي حققوه.
جو الخلافات انسحب على اتحاد عكار الشمالي مع سعي النائب هادي حبيش الى تكريس النجاح الذي حققه في القبيات، عبر ايصال رئيس بلديتها عبدو عبدو الى رئاسة الاتحاد، فكان الحسم للبلدات ذات الغالبية الاسلامية (مشتى حسن، مشتى حمود، وعندقت)، التي صوتت جميعها لمصلحة عبدو، في حين حصل مرشح "التيار" عمر مسعود على أربعة أصوات مسيحية من أصل سبعة، بينما حصل عبدو على ستة أصوات، ثلاثة مسيحية ومثلها إسلامية.
نجاح حبيش الذي قُرئ على أنه فشل لـ «التيار الحر» في تثبيت حضوره السياسي في البقعة الجغرافية ذات الغالبية المسيحية والمصبوغة باللون البرتقالي، سرعان ما انقلب عليه لدى فوز مرشح «التيار الحر» رئيس بلدة شدرا سيمون حنا بمنصب نائب الرئيس، ومطالبة البلديات المسلمة بتطبيق الميثاقية والعيش المشترك والايفاء بالوعود التي دفعت بهم الى تجاوز علاقات الجيرة والوقوف الى جانب حبيش بناء لطلب الرئيس سعد الحريري.
وكادت الأمور تتطور الى خلاف طائفي لولا مسارعة «التيار الوطني الحر» الى ابداء الاستعداد لحل هذا الأمر ووضع استقالة نائب الرئيس بتصرف بلدتي مشتى حسن ومشتى حمود.
وعليه تتجه بلديات الدريب الأعلى الى اعادة صياغة تشكيل الاتحاد بما يضمن حفظ الميثاقية، عقب ارتفاع الأصوات المطالبة بالمناصفة بسبب ما اعتبر نكس بالوعود والعهود التي كانت قد قطعت سابقا.
وبالتالي، فان المفاوضات التي ستنطلق مع النائب حبيش، بحسب ما يؤكد رئيس بلدية مشتى حسن محمد خالد، ستكون على رزمة كاملة من الشروط التي تتضمن رئاسة الاتحاد وإعادة النظر بنيابة الرئاسة.
بين سطور هذه التطورات ما يؤكد وجود معركة نفوذ وأحجام من جانب النائب حبيش الذي يحاول استيعاب البلدات السنية ومنعهم من الانسحاب من الاتحاد، وبين التيار الوطني الحر الذي يريد تثبيت قدرته على الامساك بالمنطقة التي تعد عرينه بالرغم من الانكشاف الذي أظهرته انتخابات البلدية والتي تركت ندوبا في جسد المكونات المحلية تتطلب المراجعة المتأنية، فيحاول استيعاب الانقلاب مع الحفاظ على علاقات ممتازة مع "المشاتي" واعادة ترميم العلاقة في البلدات المسيحية.