هذا اللغز دفعني الى التعمّق في ما تسمّى مرونة سوق العقارات". هكذا تبدأ جوليا تيرني، طالبة الدكتوراه في تخطيط المدن والأقاليم في جامعة "بيركلي" في كاليفورنيا، والباحثة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، ورقة بحثها التي تحمل عنوان "مرونة قطاع العقارات: الاقتصاد السياسي للاستثمار العقاري في لبنان"، التي عرضتها الشهر الماضي في الجامعة الأميركية في بيروت، والتي فكّكت فيها "مرونة" سوق العقارات.
قانون الندرة "الطبيعي"
"خلال السنوات العشرين الماضية سجّل قطاع العقارات سيناريو تصاعديا تدريجيا. يرتفع في فترة ازدهار ثم يستقر، ثم يرتفع في فترة ازدهار ثم يستقر... لكن لا ينخفض"، هكذا يرسّخ بنك "عودة" في تقرير له فكرة "استحالة" انخفاض أسعار العقارات في لبنان. في بحثها، تقول تيرني إنّ جميع المطورين العقاريين الذين التقتهم أجمعوا على سبب أساسي لعدم انخفاض الأسعار هو قانون ندرة الأراضي. فالعرض على العقارات مقيّد بسبب الجغرافيا، أي صغر مساحة لبنان، فيما الطلب بارتفاع دائم نتيجة النمو السكاني، ورغبة المغتربين بشراء منزل في وطنهم، وجذب لبنان للمستثمرين العرب. تكرّر ذكر قانون الندرة بشكل كبير وصُوّر على أنه قانون "طبيعي" يسيطر على الواقع، بمعنى أنه غير قابل للتغيير. تعارض تيرني هذه الفكرة وتنطلق من أنّ هذه "المرونة"، المتمثلة بعدم تراجع الأسعار، ليست قانوناً "طبيعياً"، إنما أنتجتها سياسات محددة وضعها من لديهم مصالح ببقاء الأسعار مرتفعة.
إعادة الإعمار: بدء تهجير الناس
تنطلق تيرني من حقبة أساسية، هي مرحلة إعادة الإعمار، لتتبع السياسات التي ساهمت في إيصال سوق العقارات الى واقعه اليوم. تبدأ بنقل ما تكرر على مسامعها: "في بيروت، يُقال أن عدد المباني التي هدمت خلال عملية إعادة الإعمار يفوق عدد المباني التي دمرت خلال الحرب الأهلية". تقول تيرني إنّ "شركة سوليدير حوّلت جميع العقارات في وسط المدينة الى أسهم، وإن مالكي العقارات اصبحوا مساهمين، وتحولت الدولة الى مساهم في أكبر شركة خاصة في قطاع البناء".
كانت عملية إعادة الإعمار أكثر من مجرد إعادة بناء، انما حفزت عودة الاستثمار إلى بيروت، فضخ مستثمرو الخليج والمغتربون اموالا إلى سوليدير. بين عامي 1990 و1995، مثّلت إستثمارات المغتربين اللبنانيين والعرب نحو 80% من جميع الاستثمارات العقارية. هكذا، "سيطر الاستثمار العربي على قطاع العقارات، فبنيت سوق الشقق الفاخرة حول ثرائهم".
تسرد تيرني أنّ تداعيات 11 أيلول جذبت المزيد من الاستثمارات الخليجية الى لبنان، وبعد سنة منها مثّلت هذه الاستثمارات نصف حجم الاستثمارات في لبنان. في تلك السنة، بيع ما يقدّر بمليار دولار من شقق الواجهة البحرية لمستثمرين خليجيين. وبين عامي 2003 و2010، ارتفع متوسط سعر المتر المربع في بيروت بنسبة 300%!
مصرف لبنان يمنع هبوط الأسعار
يعترف أحد المطورين العقاريين بأنه "من دون الرزم التحفيزية لكان قطاعنا في ازمة كبيرة". فقد أطلق مصرف لبنان اعتبارا من عام 2013 رزم تحفيز بلغت مليار دولار سنوياً، لمواجهة الركود الإقتصادي. لكن "على الرغم من أن قطاع العقارات والبناء يمثّل 20 % فقط من الاقتصاد، إلا انه تلقى 56% من الموارد التحفيزية، اي ما مجموعه أكثر من ملياري دولار في السنوات الأربع الماضية"، وفق البحث. تسمح هذه الرزم للمصارف بالحصول على قروض مدعومة من مصرف لبنان بفائدة تبلغ 1% وإقراض المستدينين بفائدة تبلغ 5.5%.
الاخبار







