وارتفاع درجات الحرارة. موجة البعوض التي يأمل اللبنانيون ان تذهب الى غير رجعة، ترافقها عاصفة من نوع آخر على مواقع التواصل الاجتماعي، لن تستكين على الارجح، في المدى القريب، بسبب ما اظهرته بالادلّة الدامغة!
وفي التسلسل السردي لما حدث، فإن وزير البيئة محمد المشنوق، وعند بدء الاجتياح "البرغشي"، سارع الى "سمائه" النقية على "تويتر" مغرداً ومحذراَ كعصفور قلق على رفاقه من رصاصات الصيادين القاتلة، فكتب يدعو المواطنين الى توقي استنشاق البرغش وابتلاعه، علماً انه في تغريدته، اعاد انتشار هذه الحشرات الى الحرارة المرتفعة لا الى ازمة النفايات!
هذه التغريدة اتت بمثابة "شحمة على فطيرة" لعدد كبير من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي وناشطي المجتمع المدني، ولا سيّما أن تجربتهم مع الوزير المشنوق تحديداً (مطالبته بالاستقالة واقتحام وزارة البيئة بالاضافة الى "استقالته" من ملف ازمة النفايات) فيها ما يكفي من الوقود لاشعال النيران مجدداً. هكذا اذاً، انهالت الردود والتعليقات و"النكات"، الساخرة منها والجديّة، فما كان من "معاليه" إلا ان ردّ "الصاع صاعين" عبر حجب Block جميع المنتقدين والساخرين. طبعاً استغلّ هؤلاء هذا "الاجراء" الغريب من مسؤول يُفترض به ان يتحلى برحابة صدر وأن يتقبل كل الآراء ووجهات النظر، فراحوا يوّثقون "فعلة" الوزير بصور ينشرونها على منابر "السوشل ميديا" جمعاء! حاول المشنوق توضيح الاسباب التي تدفعه الى رفض بعض الاشخاص على "تويتر" قائلاً إنه "يرفض من يخرج عن ادآب المخاطبة باستعمال الشتائم والكلمات النابية وعبارات اولاد الأزقة"، فسارع المستخدمون الى انشاء "ايفنت" على فيسبوك بعنوان "#ليش_عملي_بلوك_المشنوق". طبعاً، لا حاجة لتوقع كيف سيكون "حائط" هذه الصفحة حيث يُفرغ اللبنانيون "ابداعاتهم" الساخرة، ومنها على سبيل المثال ان الوزير المشنوق سيدخل موسوعة غينيس من باب اكثر شخصية "فاقعة عالم block و يرفع اسم لبنان بالعالم مجدداً بعد قصة الزبالة"...
القصة لم تنته هنا، ولن. بعيداً من اجواء السخرية والسطحية، ثمة ما ينبغي التوقف عنده في حفلة "الهرج والمرج" هذه.
- اولاً: في ما يتعلق بحرية التعبير واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي: من المؤسف أن يقوم مسؤول يتعاطى الشأن العام برفض اشخاص عبّروا عن رأيهم في موضوع يعايشونه يومياً ويعانون بسببه، علماً ان موقع "تويتر" يختلف عن بقية مواقع التواصل التي تكون "شخصية" اكثر، وهو منبرٌ يتوسله السياسيون للتواصل مع الناس والتماس مواقفهم وتبادل الافكار والمقترحات معهم. ومن المؤسف ايضاً أن يستغلّ بعض الاشخاص مبدأ حرية الرأي والتعبير بعامة ومواقع التواصل بخاصة، لتمرير الشتائم والخروج عن الاصول والاخلاقيات.
- ثانياً: التغريدة الشهيرة التي اثارت كل هذه القضية، تمّ حذفها من قبل الوزير المشنوق نفسه من دون ان يشرح السبب. فإذا كانت في غير محلّها، لم "معاقبة" المعلقين عليها؟
- ثالثاً: في تغريدة حديثة جداً، كتب الوزير المشنوق ما يلي:" خلال ثلاثة ايام فقط ١١٨٩ متابع جديد على "التويتر".في نفس الفترة ١٤٧ رفضوا لانعدام اللياقة والتذاكي.ارجو قراءة ما انشر قبل إصدار الأحكام. شكراً". هل نفهم ان متابعة احوال "التويتر" اهمّ من الوقوف عند معاناة الشعب الحقيقة بسبب ازمة النفايات واهمّ من حلّ المشكلة الاساسية؟!
- رابعاً: في احدى تغريداته، كتب وزير البيئة: "بصراحة لم يكن النقاش حول القمح مسرطناً او خالياً بين الوزيرين ابو فاعور وحكيم مسؤولا. التشكيك دون معالجة جريمة لا تغتفر. خبز المواطن خط أحمر". موقفٌ صائب خصوصا ان احداً لا يعرف حتى الساعة لماذا اثير الموضوع بهذا الشكل وما هي الحقيقة الفعلية، الا أنه ينطبق تماماً على ازمة النفايات، الا اذا كانت حياة المواطن والبيئة خطاً غير احمر؟!
- خامساً: الحرص الانتقائي على صحة المواطنين غير مقبول. الاخطر عدم تحديد وتوضيح طرق الوقاية والحماية. كان على الوزير المشنوق الاجابة عن اسئلة كثيرة بدت له ساخرة، الا أنها في الواقع مشروعة جداً. كيف نحمي انفسنا من تنشق البعوض اثناء النوم. وهل من كمامة تحمينا من السرطان الذي نتنشقه منذ تسعة اشهر؟!
لبنان24







