هو المشهد نفسه والشهر نفسه بفارق ثلاث سنوات وخمسة أيام، إستعادت فيه عكار مشاعر الحزن والأسى على شهدائها.
هو الوداع الأخير، الوداع الذي لم يتوقعه الأهالي والمواطنون بعد ثلاث سنوات من العذاب والانتظار، وقطع الطرق، في محاولة لاستعادة ابنائهم الأسرى.
سارت بلدات القيطع بشيبها وشبابها ونسائها وأطفالها خلف نعشي الشهيدين اللذان اخترقا الحشود التي انتظرت منذ ساعات الصباح في منطقة العبدة. وأقيمت لهما إحتفالات الاستقبال في مختلف قرى وبلدات عكار، بدءا من بوابة عكار مرورا ببلدات برقايل، بزال، قبعيت، حرار، وحتى مسقط رأسيهما في بلدة فنيدق.
زُيّنت الساحات بصور الشهداء العملاقة التي كتب عليها “فنيدق تزف شهيدا تلو الشهيد”، سار المئات في مأتم شعبي حاشد لوداع شهداء المؤسسة، وللتأكيد مجددا على أن عكار ستبقى حاضنة المؤسسة العسكرية وهي التي دفعت الثمن الأغلى خلال مواجهات أحداث عرسال منذ العام 2014 فقدمت كل من: إبراهيم زهرمان، علي السيد، علي الكك، خالد مقبل، وحسين عمار على مذبح الشهادة.
هو يوم غضب وحزن وألم اعتصر مجددا قلوب أهالي بلدة فنيدق التي استقبلت بعد شهر من حادثة “اجتياح عرسال” جثمان شهيد مذبوح، وبعد ثلاث سنوات استقبلت رفات شهيدين آخرين، بعد رحلة عذاب طويلة. فعبر المشيعون عن غضبهم بإطلاق نار كثيف لم تشهد عكار له مثيلا من قبل، ما ادى الى سقوط عدد من الجرحى، وشاركت عدد من النسوة في حمل السلاح وإطلاق الرصاص الكثيف بالرغم من دعوات مشايخ بلدة فنيدق والمفتي زيد زكريا، ورئيس إتحاد بلديات القيطع عبد الاله زكريا لعدم إطلاق النار إحتراما للشهداء، الا أن الدعوات لم تلق آذانا صاغية فكان اطلاق النار بكثافة أثناء وصول جثماني الشهيدين الى ساحة بلدة فنيدق، حيث حمل النعشين على الأكف وجالا في ساحة البلدة وسط صيحات التكبير والهتافات المتضامنة مع الجيش.
“هو شرف أم لعنة لحقت ببلدة فنيدق لكي تدفع كل هذا الألم ولتقدم أسيرا، ومغدورا، ومظلوما وشهيدا”. يقول كبار السن خلال تواجدهم في مجالس العزاء التي أقيمت للشهيدين في باحة تكميلية فنيدق الرسمية.
لم تتحقق آمال عائلة الشهيد علي السيد الذين تمنوا من اليوم الأول لاستشهاد ولدهم بأن تكون دماءه فداء عن كل رفاقه الذين أسروا معه، الا أن الفاجعة جاءت بعد ثلاث سنوات، لتعيد إحياء ألم عائلة السيد والمشاهد المؤلمة لذبحه على يد “داعش”.
لم توفر والدتا الشهيدين الحسن وعمار جهدا في المطالبة بولديهما إن كان عبر المشاركة المكثفة في الاعتصامات، وفي النزول الى الشارع بهدف رفع الصوت، وحتى في زيارة المسؤولين والمشايخ.
إستسلمت أم خالد الحسن لقدرها.. استسلمت حين رأت نعش وحيدها يدخل المنزل، وهي التي ربته يتيما برموش العين بعد أن توفي والده، هي نفسها الوالدة التي ركعت أمام قدمي رئيس الحكومة تمام سلام قبل ثلاث سنوات للمطالبة بوحيدها، “هو أملنا الوحيد في الحياة ومع خسارته خسرت حياتي وكل ما بقي لي”.
عند مفترق منزل عائلة الشهيد حسين محمود عمار علقت صورة عملاقة للشهيد مع وهو يحتضن والدته في لقائهما الأخير في إحدى مغاور جرود عرسال، الوالدة التي عرفت بقوة عزيمتها وتحليها بالصبر، هي التي بقيت متمسكة بالأمل حتى اللحظات الأخيرة قبل صدور فحوص الـDNA، فاستكملت أعمال تشييد منزل حسين إستعدادا للاحتفال بخطوبته عند تحريره الا أن التحرير كان لرفاته شهيدا.
إستسلمت الوالدة لقدرها البائس، وإستسلم معها إخوته الذين عمدوا منذ أيام لاستعراض ملابسه في غرفته الخاصة حسرة وألما.
تم تشييع الشهيدين في باحة تكميلية فنيدق الرسمية بحضور النائب خالد زهرمان، رئيس دائرة الأوقاف الاسلامية الشيخ مالك جديدة ممثلا المفتي دريان، الشيخ عبد الاله أبو العائلة ممثلا مفتي عكار الشيخ زيد زكريا، المونسينيور الياس جرجس، وحشد من الفاعليات السياسية والدينية والأمنية ورؤساء البلديات وأهالي القيطع.







